Parse error: syntax error, unexpected T_LNUMBER in /home/politica/public_html/vb/global.php(605) : eval()'d code on line 9
تاريخ البترول في إيران - ملتقى الحوار الأكاديمي
   
 
   
 
الرابط الأول :: الرابط الثاني :: الرابط الثالث
 
عـودة للخلف   ملتقى الحوار الأكاديمي > الملتقى الأكاديمي > النظام السياسي العربي ودول الجوار
التسجيل الأسئلة الشائعة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم تعليم الأقسام كمقروءة
النظام السياسي العربي ودول الجوار دراسة المكونات المختلفة للنظام السياسي العربي ودول الجوار: مثل المكونات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للهياكل والوحدات السياسية القائمة ونظم الحكم فيها. وكذلك دراسة القوى السياسية الفاعلة فيها وتأثيرها في سياساتها الداخلية والخارجية.
الرد على الموضوع
 
خيارات الموضوع طريقة العرض
قديم 09-04-2008   رقم المشاركة : 1
اسامه العجلان
political-sa





اسامه العجلان غير متصل


الافتراضي تاريخ البترول في إيران

تاريخ البترول في إيران

أصبح العالم الإسلامي في بداية القرن التاسع عشر في مقدمة الأهداف التي صوبت إليها حملات الغرب الثلاث، وهي حملات التبشير والاستغلال والاستعمار، وكانت منطقة الشرق الأوسط قد بدت في النصف الأول من القرن العشرين كأكبر مستودع ومصدر للطاقة التي قامت عليها الثورة الصناعية الثانية، وكان بترولها الرخيص في البداية أهم دعم اقتصادي حصت عليه أوروبا الغربية، ذلك لأن البترول يحتل مركز الصدارة في تطوير الصناعات الحديثة وحركتها، إذ أنه الطاقة الرئيسية لتدوير عجلات الصناعة، والمادة الأساسية لإنتاج المنتجات البتروكيماوية.
ولم تكن إيران تملك من حقوق التصرف في سياساتها الداخلية أو الخارجية ما تملكه الدول المستقلة. وتسابقت بريطانيا وروسيا على كسب الامتيازات والرخص من الحكومة الإيرانية، وتمادى حلول الدولة القاجارية (1795-1925م) في سياسة الاقتراض ومنح الرخص ورهن الموارد لبريطانيا وروسيا، وإيران غنية بثرواتها البترولية، ولقد أثبتت الأبحاث العلمية والاكتشافات البترولية أن ثلثي كمية البترول في العالم مخزونة في منطقة الخليج، وإيران إحدى دول الخليج، وتلعب دورًا بارزًا ومهمًا في منظمة الدول المنتجة للبترول (أوبك).
وتحتفل الجمهورية الإسلامية الإيرانية باليوم الوطني للبترول في ذكرى تأميمه (20/3/1951م)، وترى أن حركة تأميم صناعة البترول التي تزعمها الدكتور محمد مصدق تمثل أحد مفاخر الشعب الإيراني خلال تاريخ نضاله الوطني.
والاقتصاد الإيراني مرتبط إلى حد بعيد بالبترول، وإذا انخفض سعر البترول يواجه هذا الاقتصاد مشكلات عديدة وتشكل عائدات البترول المورد الرئيسي للدخل القومي الإيراني، والمصدر الأساسي للعملة الصعبة، حيث تعتمد إيران على البترول في صادراتها بشكل كبير، وقد اعتمدت الميزانية العامة في إيران على عوائد البترول والغاز الطبيعي بشكل أساسي في الخمسين عامًا الأخيرة، ذلك لأن إيران رابع دولة منتجة للبترول في العالم وثاني دولة مصدرة له كما أنها تمتلك احتياطيًا ضخمًا من الغاز الطبيعي يجعلها تأتي في المرتبة الثانية في العالم بعد روسيا الاتحادية.
وتاريخ البترول في إيران ـ بوصفها دولة مهمة من دول منطقة الشرق الأوسط الحساسة ـ مليء بالأحداث والتطورات الاقتصادية والسياسية، وزاخر بالنضال والكفاح وبالدسائس والمؤامرات والصعود والهبوط والاغتيالات والانقلابات والثورات. وقد مر البترول الإيراني عبر تاريخه بمراحل أربع:
المرحلة الأولى: منذ بداية ظهور البترول في إيران وحتى مرحلة ما قبل التأميم في 20/3/1951:
تذكر بعض المراجع أن ينابيع البترول كانت تنساب خلال الصخور في إيران منذ أن ظهر الإنسان الأول على سطح الهضبة الإيرانية، ومن المحتمل أن تدفقات هذا البترول أو الغاز المنساب من القيعان المحملة بالزيت قد اشتعلت بفعل البرق، وأن أول بئر بترول حفر بأمر من دار يوش الكبير (552-486 ق.م)، وأن هذا البئر يقع في منطقة شوش الواقعة في خوزستان الغنية بالبترول. وكان القدماء يستفيدون من البترول في تكوين التماثيل وفي العلاج عن طريق تبخير المريض بحرق الأسفلت، كما استخدم الأسفلت في بناء الجدران والأعمدة والحجرات وفي دهان الأبواب.. وكان القار الأسود يشفي الدمامل، كما كانت بعض مشتقات البترول تعالج بعض الأمراض الجلدية وآلم الأسنان وغيرها من الأمراض. كما استخدم القار في عمليات البناء واستخدم البترول في الحروب وفي التدفئة والإضاءة.
وفي العصر الحديث أعطى أول امتياز للتنقيب عن البترول عام 1872 للبارون جوليوس رويتر البريطاني الجنسية في عهد ناصر الدين مشاه القاجاري (1848-1896)، لكن المعارضة الشعبية أدت إلى إلغاء هذا الامتياز نظرًا لضآلة حصة إيران من عائدات البترول. ومنذ أن اكتشف احتياطي البترول الهائل في نهاية القرن التاسع عشر في جنوب إيران سال لعاب دول الغرب، وتمكن المهندس "لويم نوكس دارس" البريطاني الجنسية من الحصول على امتياز التنقيب عن البترول في جميع أنحاء إيران ما عدا المقاطعات الشمالية الواقعة تحت النفوذ الروسي وهي: (آذربيجان. جيلان ـ مازندران ـ جرجان ـ خراسان)، وذلك في عام 1901 في عهد مظفر الدين مشاه القاجاري (1896-1906) مقابل تسديد نسبة تساوي 16% من صافي الأرباح إلى الحكومية الإيرانية، بالإضافة إلى رسوم امتياز وحصة من أسهم الشركة. وكانت مدة الامتياز ستين عامًا، وهي مدة طويلة، ولم يقتصر الأمر على التنقيب بل تعداه إلى الاستخراج والتكرير والبيع والتصدير.
وبعد أن ظفر "دارس" بهذا الامتياز فوض الحكومة البريطانية في جميع الحقوق المترتبة عليه. وفي عام 1907 أبرمت بين روسيا القيصرية وبريطانيا معاهدة تم الاتفاق فيها على تقسيم إيران إلى ثلاث مناطق: منطقة نفوذ روسية كبيرة في الشمال، ومنطقة نفوذ بريطانية صغيرة في الجنوب (حيث يوجد البترول)، ومنطقة عازلة محايدة تشمل طهران بينهما، مع التأكيد على حرص الدولتين على استقلال إيران وسيادتها في البنود الأخيرة من المعاهدة!!
وفي عام 1908م بدأ تدفق البترول بغزارة في أول بئر حفر في منطقة "مسجد سليمان" في جنوبي البلاد وهي منطقة النفوذ البريطانية. وفي عام 1909م أنشئت شركة البترول البريطانية الإيرانية في لندن لمباشرة تنفيذ بنود الامتياز، وهي الشركة ـ التي أصبحت بعد وقت قصير من أكثر شركات البترول نفوذًا في العالم، وتم إنشاء فرع لهذه الشركة في إيران، لم يكن لإيران الحق في التدخل في شئون الشركة، وكان العمال البسطاء من إيران، وكان سائر العاملين والموظفين من جنسيات أخرى يختارها صاحب الامتياز، وكانت البحرية البريطانية هي المساهمة الرئيسية في هذه الشركة التي كانت تزود الأسطول البريطاني بالبترول بكميات كبيرة وأسعار زهيدة تقل عن السعر العالمي، كما كانت الشركة تقدم نسبة (3%) من الأرباح لزعماء القبائل والعشائر لحراسة المنشآت البترولية وضمان الأمن والهدوء في المنطقة.
واستمر إنتاج البترول وتصديره وفق بنود امتياز دارس حتى تم إلغاء هذا الامتياز عام 1932م من جانب الحكومة الإيرانية والبرلمان الإيراني اللذين شعرا بالغبن الذي لحق باقتصاد البلاد وبالدخل القومي بسبب هذه الاتفاقية الجائرة المجحفة. وتفاوضت الحكومة على عقد اتفاق آخر في أواخر إبريل عام 1933م مع شركة البترول البريطانية ـ الإيرانية بشروط جديدة تحافظ على حقوق إيران ومصالحها الوطنية. وقد قلصت هذه الشروط مساحة المناطق التي يشملها الامتياز إلى مائة ألف ميل مربع، وزادت عائدات إيران من نفطها، فأصبحت حوالي 20%، إلا أن مدة الامتياز مددت حتى عام 1993م. وتم الاتفاق بين الطرفين على استبدال العمال الإيرانيين ـ بالتدريج ـ بالعمال الأجانب، وعلى تدريب الجيل الشاب من الإيرانيين على العمل في مجالات صناعة البترول، وبعد أن كنت إيران تحصل في امتياز دارس على (0.17) من الدولار على كل برميل مصدر، أصبحت تحصل على (0.23) في الامتياز الجديد. وارتفعت كمية البترول المستخرج من عام 1933م وحتى عام 1951م، وزادت المبيعات وزاد التصدير، ووصلت أرباح الشركة إلى أرقام فلكية، لكن إيران لم تستفد كثيرًا من هذه الأرباح، وكان المستفيد الحقيقي هم المساهمون البريطانيون والخزانة البريطانية، ولم تنفذ بريطانيا معظم بنود الاتفاقية، وبخاصة البنود المتعلقة بتدريب الخبراء الفنيين الإيرانيين، وخفض أعداد العمال الأجانب، وتوفير السكن للعمال الإيرانيين، ومنحهم مرتبات مجزية مثلهم مثل الأجانب، وكان جزء كبير من العائدات والأرباح الناتجة عن الاستفادة من البترول الإيراني يستثمر من جانب البريطانيين في سائر دول العالم لاكتشاف واستخراج البترول. وكانت الشركة تحرق الغاز الطبيعي المتدفق مع الزيت، ولم تكن إيران تستفيد من هذا الغاز لأنه كان يهدر دون جدوى. بالإضافة إلى أن نسبة الأرباح التي كانت الشرك البريطانية الإيرانية تقدمها إلى الكويت والعراق وغيرها من الدول تفوق ما كنت تقدمها لإيران بمراحل. وفي الوقت الذي كانت شركات البترول الأمريكية قد عقدت فيه اتفاقية مع السعويدة على اساس تنصيف عائدات البترول، كانت شركة البترول البريطانية الإيرانية تسدد لإيران أقل من (30%)، ولما طالب الإيرانيون بزيادة العائدات إلى مستوى مماثل رفضت الشركة هذا المطلب. هذا بالإضافة إلى أن الشركة كانت تحول دون دخول أية دولة أو شركة بترولية أخرى إلى المناطق التي يشملها الامتياز.
وفي الحرب العالمية الثانية (1939-1945) كان موقع إيران الجغرافي الاستراتيجي وتعاظم أهمية البترول في الحر سببًا دفع الحلفاء إلى توريط إيران في نشاطاتهم العسكرية أثناء الحرب، رغم إعلان إيران أنها تقف مرقفًا "محايدًا"، وبعد احتلال اليابان لإندونيسيا، "أصبح البترول الإيراني الاحتياطي الوحيد للحفاء في الشرق، ولجأت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إلى احتلال إيران في الخامس والعشرين من شهر أغسطس عام 1941م، ودخلت بريطانيا من الجنوب، ودخل الاتحاد السوفيتي السابق من الشمال، للدفاع عن خطوط الإمداد، وبحجة وضع حد لنشاطات عملاء الألمان. وكانت إيران معبرًا تموينيًا للبلدين أثناء الحرب، وأجبر الحلفاء رضا شاه (1925-1941م) على التنازل عن العرش لولي عهده (محمد رضا)، وغادر رضا شاه البلاد منفيًا إلى جنوب أفريقيا، حيث قضى هناك بقية حياته، وتوفي في يونيو عام 1944م، ورفضت القوات البريطانية والروسية التي كانت تحتل البلاد ـ آنذاك ـ دفنه في إيران، فنقل جثمانه إلى القاهرة حيث دفن في مسجد الإمام الرفاعي، قبل نقله إلى طهران في مايو عام 1950م، وتشييد ضريح له في مدينة الري (جنوب طهران). ومن المفارقات أن يدفن ابنه الشاه محمد رضا بهلوي أيضًا في مسجد الإمام الرفاعي بالقاهرة في عام 1980م.
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتبين الدور المهم الذي لعبه البترول الإيراني خلالها، تسابقت الدول الكبرى وعلى رأسها، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على الحصول على امتيازات بترولية في إيران، إلا أن الحكومة الإيرانية أعلنت رفضها لجميع العروض التي تقدمت بها هذه الدول، وطالبت إيران الشركة البريطانية الإيرانية بإجراء تعديلات على الاتفاقية المبرمة بين البلدين، وتقدمت الشركة باتفاقية إضافية أو مكملة تضمن بنودًا لصالح إيران ـ إلى حد ما ـ إلا أن الاتفاقية لم تفي بالغرض المطلوب، ولم تضمن كامل حقوق إيران في ثروتها البترولية، ولذلك رفضها البرلمان الإيراني. وأقر ـ في وقت لاحق ـ قانون تأميم صناعة البترول.
المرحلة الثانية: (من تأميم صناعة البترول في 20/3/1951م إلى الإطاحة بالدكتور مصدق):
أدى عدم التزام شركة البترول البريطانية الإيرانية ببنود اتفاق عام 1933م، وتدخل الشركة في الشئون الداخلية والسياسية لإيران بصفة دائمة إلى التفكير في إلغاء الاتفاق، وأصبح إلغاء هذا الاتفاق مطلبًا وطنيًا. وتفاقم سخط الجماهير على بريطانيا وعلى استغلالها للبترول الإيراني، وتدخلها في الشئون الإيرانية. وتزعمت الجبهة الوطنية تحت قيادة الدكتور محمد مصدق هذه الجماهير، وهي الجبهة التي كانت قد تكونت في أعقاب الحرب العالمية الثانية من عدد من المثقفين والتقدميين الإيرانيي، وكان تأميم صناعة البترول أهم أهداف الجبهة السياسية، وكانت هذه الجبهة تشكل أكبر حزب معارض داخل البرلمان الإيراني، ومصدق هو مؤسس هذه الجبهة، كما أنه كان يرأس لجنة البترول في البرلمان. وعندما تقدمت بريطانيا باتفاقية إضافية بشروط أفضل بالسنبة لإيران، عرضت الحكومة الإيرانية الاتفاقية على أعضاء البرلمان الذين قرروا تشكيل لجنة خاصة لبحث ودراسة الاتفاقية وتفصيلاتها، وتقديم تقرير مفصل عنها، واجتمعت اللجنة وأعدت تقريرًا رفضت فيه الاتفاقية الإضافية، وتقدم مصدق بطلب تأميم صناعة البترول. لكن البرلمان رفض هذا الطلب، وشكل لجنة لرسم الخطوط العريضة لسياسة البلاد البترولية، وتقدمت اللجنة بمشروع تأميم البترول إلى البرلمان في وقت لاحق، وصدق مجلس النواب والشيوخ على المشروع، وانتخب مصدق رئيسًا للوزراء، ووضع قرار التأميم موضع التنفيذ في جميع أنحاء إيران، وتم تأسيس شركة البترول الوطنية.
والحقيقة أن حركة التأميم كانت ورائها دوافع كثيرة تتمثل في أن شركة البترول البريطانية الإيرانية كانت دولة داخل دولة، وكانت تعين الوزراء وتقيل الوزارات وتسبغ عضوية المجلس النيابي على من تشاء، وكانت تسيطر تمامًا على رؤساء القبائل في جنوب إيران، ومن أهم هذه القبائل في جنوب إيران، ومن أهم هذه القبائل: النجتيارية والقشقائية وقبيلة بني كعب العربية، وكان زعماء هذه القبائل يحصلون على نسبة من أرباح الشركة لحراسة الأنابيب الممتدة عبر الصحاري والآبار والحقول والمنشآت البترولية بالإضافة إلى سوء معاملة موظفي الشركة للإيرانيين وموظفي الحكومة، وكذلك الرغبة في تحسين الأحوال الاقتصادية، والقضاء على النفوذ الأجنبي وعملاء الأجانب في البلاد، والحصول على الحرية والاستقلال في الشئون الداخلية والخارجية.
وغضبت بريطانيا، واعتبرت أن التأميم فسخ للعقد من جانب واحد، ودخلت إيران مرحلة جديدة من تاريخها شكلت مواجهة صريحة مع الاستعمار، وتقدمت بريطانيا بعدة اقتراحات رفضها مصدق، وعرض النزاع على مجلس الأمن وعلى محكمة العدل الدولية، وسافر الدكتور مصدق إلى نيويورك ولاهاي على رأس وفد إيراني لتوضيح موقف إيران، والدفاع عن حق بلاده في التأميم، ونصح مجلس الأمن طرفي النزاع بالتباحث والتفاوض لحل النزاع، وأعلنت محكمة العدل الدولية عدم صلاحيتها لبحث شكوى بريطانيا ضد إيران، وقطعت العلاقات بين بريطانيا وإيران في أكتوبر 1952م، وارتأت بريطانيا اللجوء إلى القوة العسكرية لإرغام إيران على العدول عن التأميم، لكنها لمست معارضة ن حليفتها الولايات المتحدة، وتحركًا من جانب الاتحاد السوفيتي للوقوف إلى جانب إيران، فأحجمت عن الإقدام على القايم بعمل عسكري. وجمدت بريطانيا الودائع والأرصدة الإيرانية المودعة في البنوك البريطانية، ولم تتمكن إيران من تصريف بترولها بسبب ضغوط الإدارة البريطانية على الأسواق العالمية، وحدث نقص شديد في العملة الصعبة واشتدت الأزمة الاقتصادية نتيجة للحصار الاقتصادي الذي فرض على إيران، وطلبت بريطانيا تعويضات من إيران لكن الدكتور مصدق رفض تسديد المبلغ الذي طلبته بريطانيا، واقترح أن تقتصر التعويضات على ما تملكه الشركة من أصول مادية في مدينة آبادان (عبدان) التي أنشئت فيها مصفاة بترول عملاقة.
أما شركة البترول البريطانية الإيرانية فقد غادرها العاملون الأجانب، وتولى الإيرانيون الأمور الفنية والإدارية فيها، وانحصر نشاطها في توفير الوقود والمواد البترولية التي تستهلك داخل البلاد فقط، وانخفض معدل الإنتاج نتيجة لعدم إمكانية تصريفه وتصديره إلى الخارج.
وطلب الدكتور مصدق معونة مالية من الولايات المتحدة لسد العجز في ميزانية الدولة، لكن الولايات المتحدة رفضت بإيعاز من بريطانيا، كما رفضت مساعدة إيران في تسويق المخزون من بترولها. وانشق الكثيرون ممن أغرتهم الأموال والمناصب على الدكتور مصدق، ودبت الخلافات الأيديولوجية في الجبهة الوطنية، وتخلى عنه رجال الدين وعلى رأسهم آية اللَّـه كاشاني، وتدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا بالتمويل والتحريض للمحافظة على مصالحها في الخليج، وخوفًا من تداعيات تأميم البترول الإيراني وتأثيره على بلدان الشرق الأوسط المنتجة للبترول. وفي 19/8/1953م ظهرت وحدات من الجيش الإيراني (كان مصدق قد قام بعمليات تطهير للجيش وخفض الميزانية لصالح المشروعات الصحية والزراعية والصناعية، وقلص صلاحيات بعض قادة هذا الجيش وفصل عددًا من ضباطه الفاسدين) في شوارع العاصمة طهران ومعها جماعات من المتظاهرين تنادي بسقوط مصدق، وتهتف للشاه محمد رضا بهلوي، وتطالب بإقصاء الدكتور مصدق وحكومته عن الحكم. وهكذا نجح الانقلاب المضاد الذي دبرته المخابرات البريطانية والأمريكية، وأداره كرميت روزفلت ممثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في طهران، وأطلق على خطة الانقلاب اسم: آجاكس.
وعاد الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان قد اضطر إلى مغادرة البلاد عندما تصاعد الخلاف بينه وبين الدكتور مصدق من روما إلى إيران، وذلك بعد أن اطمأن إلى نجاح الانقلاب المضاد، وسلم مصدق نفسه بعد أن أمطروا منزله بوابل من قذائف الدبابات والرشاشات، وحوكم مصدق أمام محكمة عسكرية ووجهت إليه تهمة الخيانة، وأصدرت المحكمة عليه حكمًا بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وتمت ملاحقة واعتقال مؤيديه وانصاره، وتم إعدام الكثيرين منهم، وعلى رأسهم الدكتور حسين فاطمي وزير خارجية مصدق.
وقد لعبت الصحافة وبخاصة الصحف الموالية للجبهة الوطنية دورًا بارزًا في مسألة تأميم صناعة البترول، وفي تصديق مجلس النواب على قانون التأميم، وفي إلغاء معاهدة 1933، حيث حولت القضية من قضية اقتصادية إلى قضية استقلال اقتصادي وسياسي، وهو نفس الاتجاه الذي سار فيه الدكتور مصدق.
وبالإطاحة بمصدق وبحكومته الوطنية التي تبنت تأميم صناعة البترول الإيراني، بدأت صفحة جديدة من صفحات تاريخ إيران السياسي، حيث كان التأميم منطقًا لسلسلة من الإجراءات التي حققت آمال الشعب الإيراني في النهاية، كما أنه كان ـ آنذاك ـ نقطة تحول في تاريخ العلاقات البترولية في العالم كله. وكان له رد فعل دولي كبير، وكان لتجربة مصدق في التأميم أثر إيجابي في الحركات التحررية المناهضة للاستعمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد أن ضرب مصدق المثل في الوطنية، المطالبة بالحقوق ومواجهة التحديات، وفي التضحية والصمود من أجل الحصول على الاستقلال الوطني.
المرحلة الثالثة: (منذ الإطاحة بمصدق وحكومته في 19/8/1953م وحتى عام 1973م):
تم تعيين الجنرال فضل اللَّـه زاهدي رئيسًا للوزراء بعد الإطاحة بمصدق، وانهالت المعونات والمساعدات الأمريكية على إيران وكانت قد توقفت في الفترة التي رأس فيها الدكتور مصدق رئاسة الوزراء، وقام احتكار غربي جديد للبترول الإيراني وزعت فيه الأنصبة الأجنبية بطريقة جديدة بحيث لا يكون للبريطانيين السيطرة القديمة نفسها على منابع البترول الإيراني. واستؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين إيران وبريطانيا في ديسمبر 1953م، وفي أغسطس 1954م أبرم اتفاق بين الحكومة الإيرانية والشركات الأجنبية ينص على تشكيل كنسرسيوم (اتحاد شركات بترولية عالمية)، وهي ثماني شركات أمريكية وفرنسية وهولندية إلى جانب شركة البترول البريطانية الإيرانية. وذلك من أجل استغلال البترول الإيراني وتسويقه. وكانت أسهم هذه الشركات مقسمة على النحو التالي:
شركة البترول البريطانية الإيرانية 40% ـ الشركات الأمريكية 40% ـ الشركات الهولندية 14% ـ الشركات الفرنسية 6%. وبذلك أصبحت الولايات المتحدة شريكًا له وزنه في صناعة البترول الإيراني. وتم الاتفاق على سريان مفعول الاتفاق لمدة خمسة وعشرين عامًا تجدد ـ بإخطار سابق ـ ثلاث دورات أخرى، مدة كل دورة خمس سنوات. ووافقت الحكومة الإيرانية الجديدة على دفع تعويضات لبريطانيا عن سنوات التأميم، وهي فترة حكومة الدكتور مصدق.
وهكذا تم ـ عمليًا ـ تجاهل قانون تأميم صناعة البترول الإيراني الذي كان من الأحداث المهمة والعلامات البارزة في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد ذكر الشاه محمد رضا بهلوي أنه كان من الصعب أن يعقد اتفاق ـ آنذاك ـ أفضل من ذلك. وقال رئيس الوزراء عباس هويدا أثناء تقديمه للائحة اتفاقية الكونسرسيوم إلى البرلمان: إن الاتفاق المذكور لم يكن الشيء الذي نصبوا إليه.
وأحكمت الولايات المتحدة قبضتها على إيران بعد أن حلت محل بريطانيا، وسيطرت على الجيش والمخابرات والمؤسسات الاقتصادية، وصارت إيران أهم وأضمن قاعدة سياسية وعسكرية للولايات المتحدة في العالم أجمع طوال خمس وعشرين سنة. وانهمرت أرباح البترول التي كانت قد توقفت خلال فترة مصدق وحكومته الوطنية على اتحاد الشركات البترولية التابعة للدول الغربية. وزاد عدد الخبراء العسكريين الذي تقتضي صفقات السلاح وجودهم على أرضي إيران.
وفي عام 1957م عقدت إيران معاهدة مع شركة "آجيب" الإيطالية، وتم إنشاء شركة إيرانية إيطالية مشتركة، وكانت إيران تمتلك 50% من أسهم هذه الشركة وقد أغضبت هذه المعاهدة شركات الكونسرسيوم التي كانت تريد احتكار بترول إيران. وبعد فترة قصيرة عقدت إيران اتفاقية لاستخراج البترول في إيران مع شركة "بان أمريكان"، وامتلكت شركة البترول الوطنية الإيرانية 50% من أسهم هذه الشركة أيضًا.
المرحلة الرابعة: (من 31 يوليو 1973م وحتى الآن):
في 31/7/19973 قام الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979م) بإلغاء اتفاقية الكونسرسيوم ومن ثم إنهاء سيطرة الشركات العالمية الثمانية على استخراج وبيع وتسويق البترول والغاز الإيرانيين. وقد أعاد هذا القرار لإيران سيطرتها الكاملة على مصادر ثروتها القومية، وأتاح لإيران إيرادات أوفر مكنتها من تقوية وبناء مشروعاته الاقتصادية في جميع المجالات، ولم تهيمن إيران على الإدارة الكاملة لجميع منشآتها البترولية فقط، بل أصبحت لها الحرية الكاملة في تحديد شروط بيع بترولها. ولقد اعتبر إلغاء معاهدة 1954م نجاحًا كبيرًا حققته إيران، وانتصارًا كبيرًا صب في مصلحة الشعب الإيراني.
وفي حرب أكتوبر (1973م) فرضت الدول العربية حظرًا بتروليًا على الدول الداعمة لإسرائيل، واستخدمت البترول كسلاح سياسي، لكن إيران رأت أن الأمر لا يخصها، واستفادت كثيرًا من نظرية ملء الفراغ.
على الرغم من أن الشاه محمد رضا بهلوي استجاب لطلب الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر، وأمده بكميات من البترول لتموين الطائرات وتشغيل الفرق الآلية، وذلك بعد أن أصدر أوامره لإحدى ناقلات البترول الإيرانية بأن تغير اتجاهها وأن تفرغ حمولتها في مصر.
وقفز الدخل القومي الإيراني قفزة هائلة بعد ارتفاع أسعار البترول أثناء حرب أكتوبر، وفي ديسمبر عام 1973م طلب الشاه من دول منظمة الأوبك زيادة أسعار البترول الخام، وتقرر بالفعل زيادة سعر برميل البترول من (5.032) إلى (11.651) دولار، وشنت وسائل الإعلام الغربية هجومًا على الشاه اتهمته بتخريب الاقتصاد الغربي، بل واقتصاد العالم كله، وصرح الشاه في مؤتمر صحفي بأن السعر الجديدة ليس كافيًا وأنه معتدل ومعقول، لأن البترول مادة مهمة ويشتق منها ـ آنذاك ـ حوالي سبعين ألف منتج مختلف، وأن سياسة البترول الرخيص سياسة قصيرة النظر، ستؤدي إلى إتلاف مصادر البترول الموجودة، وستجعل العالم يواجه كارثة اقتصادية.
ولم تقف الشركات البترولية الكبرى مكتوفة الأيدي، وسقطت طائرة رئيس شركة "أجيب" البترولية الإيطالية التي عقدت مع إيران معاهدة بترولية ثورية، وأثبتت التحقيقات وجود قنبلة في الطائرة، على الرغم من أن التقرير الرسمي ذكر أن سبب سقوط الطائرة هو: فقدان الرؤية الكافية. وبدأت وسائل الإعلام الدولية هجومًا واسع النطاق ضد إيران والشاه، وشجعت المنظمات الطلابية في الخارج في نشاطها المضاد لإيران والشاه.
وكانت المرحلة الرابعة بداية التحول العميق الذي طرأ على العلاقات الإيرانية الأمريكية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وبدأت الولايات المتحدة تضيق ذرعًا بسياسة منظمة الأوبك، ووصفت الشاه بأنه أحد صقورها البارزين الدين يمارسون ضغوطهم على المنظمة لزيادة أسعار البترول، وشجعت مؤسسة حقوق الإنسان العالمية على التنديد بأسلوب تعامل الشاه مع معارضيه السياسيين في الداخل والتصفية الجدية للرموز الوطنية المعارضة في الخارج.

الكاتب / يحيى داوود عباس
مختارات إيرانية – العدد 81- إبريل 2007م *

http://www.albainah.net/index.aspx?f...&id=16609&lang=







الرد باقتباس
الرد على الموضوع


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق


مواضيع مشابهة
الموضوع الكاتب القسم الردود آخر مشاركة
حرب أنابيب البترول .. واتجاه روسي للتضحية بإيران Mohd F Bn Motan النظام السياسي العربي ودول الجوار 0 07-31-2008 12:21 AM
وإليكم السبب في ارتفاع سعر البترول الفيصل :: إدارة واقتصـاد :: 1 06-21-2008 09:19 AM
البترول في امان الله يامسافر :: إدارة واقتصـاد :: 1 05-18-2008 02:43 PM
الاقتصاد العالمي.. وأسعار البترول عام 2006م واقــعــي :: إدارة واقتصـاد :: 0 01-19-2006 12:11 AM
فنزويللا .. إنتاج البترول وتصديره الســــــامــــــــي الموضوعات الاقتصادية 5 08-16-2005 04:34 PM


الساعة الآن +4: 08:01 PM.

 
Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2015, Jelsoft Enterprises Ltd
ترقية وتطوير سعودي جرفكس لخدمات المواقع
[ منتديات الـدكـتـور سـرحـان بن دبـيـل العـتـيـبـي- قسم العلوم السياسية - كلية الأنظمة والعلوم السياسية - جـامـعـة الـمـلـك سـعود ]

تصميم معهد ترايدنت